محمد بن جرير الطبري

65

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وإذْ كان ذلك كذلك ، لم يكن القوم بتركهم نقلَ جميع القراءات السبع ، تاركين ما كان عليهم نقله ، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا . إذْ كانَ الذي فعلوا من ذلك ، كان هو النَّظرَ للإسلام وأهله . فكان القيامُ بفعل الواجب عليهم ، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه ، كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة ، من ذلك ( 1 ) . وأما ما كانَ من اختلاف القراءة في رفع حرفٍ وجرِّه ونصبه ، وتسكين حرفٍ وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتّفاق الصورة ، فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " - بمعزل ( 2 ) . لأنه معلوم أنه لا حرفَ من حروف القرآن - مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى - يوجب المراء به كفرَ الممارى به في قول أحد من علماء الأمة . وقد أوجب عليه الصلاة والسلام بالمراءِ فيه الكفر ، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه ، وتظاهرتْ عنه بذلك الرواية ( 3 ) على ما قد قدمنا ذكرها في أول هذا الباب ( 4 ) . فإن قال لنا قائل : فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن ؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب ؟

--> ( 1 ) قوله " من ذلك " ، أي من الجناية على الإسلام . ( 2 ) أي " فمن معنى قول النبي . . بمعزل " . ( 3 ) قوله " وتظاهرت " هي في المخطوطة مهملة ولا تكاد تقرأ على وجه مرضي . ( 4 ) نقل ابن حجر في الفتح 9 : 27 عن الإمام الحافظ أبي شامة قال : " ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث ، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة ، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل " . وقال ابن عمار أيضًا : " لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له ، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ، وليته إذ اقتصر نقص على السبعة أو زاد ليزيل الشبهة " . وقال الإمام ابن الجزري في النشر 1 : 33 : " أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب : أبو عبيد القاسم بن سلام ، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئًا مع هؤلاء السبعة وتوفى سنة 224 " . . . ثم قال في ص 34 : " وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط وتوفي سنة 324 " . ثم قال في ص 35 : " وإنما أطلنا في هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة ، وأن الأحرف السبعة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم هي قراءة هؤلاء السبعة ، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبية والتيسير . . " .